إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
26
الاعتصام ( تحقيق الهلالي )
{ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } [ الكافرون : 1 ] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . فَنَصَبُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ حَرْبَ الْعَدَاوَةِ ، وَرَمَوْهُ بِسِهَامِ الْقَطِيعَةِ ، وَصَارَ أَهْلُ السِّلْمِ كُلُّهُمْ حَرْبًا عَلَيْهِ ، [ وَ ] عَادَ الْوَلِيُّ الْحَمِيمُ عَلَيْهِ كَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، فَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ مُوَالَاتِهِ ، كَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَلْصَقُهُمْ بِهِ رَحِمًا كَانُوا أَقْسَى قُلُوبًا عَلَيْهِ . فَأَيُّ غُرْبَةٍ تُوَازِي هَذِهِ الْغُرْبَةَ ؟ ! وَمَعَ ذَلِكَ ; فَلَمْ يَكِلْهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا سَلَّطَهُمْ عَلَى النَّيْلِ مِنْ أَذَاهُ ، إِلَّا نَيْلَ الْمَصْلُوفِينَ ، بَلْ حَفِظَهُ وَعَصَمَهُ ، وَتَوَلَّاهُ بِالرِّعَايَةِ وَالْكِلَاءَةِ ، حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ . ثُمَّ مَا زَالَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَثْنَاءِ نُزُولِهَا ، وَعَلَى تَوَالِي تَقْرِيرِهَا تُبْعِدُ بَيْنَ أَهْلِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ ، وَتَضَعُ الْحُدُودَ بَيْنَ حَقِّهَا وَبَيْنَ مَا ابْتَدَعُوا ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْحِكْمَةِ عَجِيبٍ ، وَهُوَ التَّأْلِيفُ بَيْنَ أَحْكَامِهَا وَبَيْنَ أَكَابِرِهِمْ فِي أَصْلِ الدِّينِ الْأَوَّلِ الْأَصِيلِ ، فَفِي الْعَرَبِ نِسْبَتُهُمْ إِلَى أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَفِي غَيْرِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمُ الْمَبْعُوثِينَ فِيهِمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } [ الأنعام : 90 ] .